نصر حامد أبو زيد

93

الاتجاه العقلي في التفسير

1 - نظرة تاريخية يحسّ الباحث أن من الضروري قبل بيان كيفية الانتقال في اللغة عند المعتزلة من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية ، البدء ببيان الجوانب المتعددة التي دخلت تحت مفهوم المجاز . ويعدّ الجاحظ - كما سنرى - أول من تبلور على يديه مصطلح المجاز باعتباره قسيما للحقيقة ومقابلا لها . وقد حدد ابن قتيبة ( ت 276 ه ) - المتأثر بالجاحظ بشكل واضح - جوانب المجاز وجعلها تشمل « الاستعارة والتمثيل والقلب والتقديم والتأخير والحذف والتكرار والاخفاء والاظهار والتعريض والافصاح والكناية والايضاح ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع ، والجميع خطاب الواحد ، والواحد والجميع خطاب الاثنين ، والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم وبلفظ العموم لمعنى الخصوص ، مع أشياء أخرى كثيرة » 1 وهي كلها ظواهر أسلوبية تعني التغير في الدلالة ، والخروج بها عن دلالة المواضعة الشائعة . والذي يهمنا هنا هو تحديد كيفية بلورة هذه الجوانب على يدي المفسّرين منذ ابن عباس حتى وصلت إلى الجاحظ وابن قتيبة . ويعدّ مصلح « المثل » أكثر المصطلحات المجازية ورودا في القرآن الكريم ، سواء في أصله الثلاثي أو في مشتقاته المتعددة ، وهو يتراوح بين عدّة معان أهمها « الصفة العجيبة كأنها لغرابتها يشبّه بها ويتمثّل » 2 ومعنى ذلك أن مصطلح « المثل » يصبح قريبا جدا من معنى « التشبيه » ويدلّ عليه . ومما يؤكّد هذا التطابق الذي يكاد يكون تاما بين « المثل » و « التشبيه » أن مادة « شبه » في القرآن لا تأتي إلّا بمعنى الاشتباه والاختلاط والتداخل وعدم القدرة على التمييز « شبه الشيء تشبيها ، أشكل . وشبه عليه . خلط عليه الأمر حتى اشتبه بغيره . وشبه عليه الأمر : لبس عليه » 3 والمعنى واضح في المشتقات الأخرى للمادة أنه هو الاختلاط ، وذلك في « تشابه » و « مشتبه » و « متشابه » . ولم يرد لفظ « الكناية » في القرآن ، وإن وردت المادة في معنى الاخفاء